مفهوم الحرية في الفلسفة القومية الاجتماعية

مشـكلة الحـرية عميقة الجـذور في تـواريخ ألأمـم . تـناولها الفكر الإنســاني في جـميع عصوره ومراحله، وفي جـميع ميادين ونواحي نشاطاته من فلسفية وأدبية وعلمية واقتصادية وسياسية…الخ لهذا لن ند ّعي بأننا أول من طـرق باب هـذا الموضوع ، ولا آخـر من سيخـوض غـماره . فقد تناوله بالدرس والبحث غيرنا كثيرون .فتعددت بذلك مفاهيم الحرية بتعدد الدارسين والباحثين ، وتمايـزت وتـنوعت بـتـمايـز وتـنوع الجـماعـات ، والبـيـئات ، والأزمـنة ، ومستويات حضارات الشعوب .

إلا َّ أن الجديد عندنا هـو الرؤية الجديدة للإنسان والحرية . فـنحن لا نقول بوجود حرية مستـقـلة بذاتها . لأن الحرية الحقيقية كـما نفهمها ليست حرية العدم ، بل حرية الوجود . الوجود الإنسـاني الكامل . الإنسان الذي هو مقياس كل الأشياء ، ومتجه كل القـيم .

قبل أن نوضح مفهومنا للحرية ، علينا أن نوضح مفهـومنا للإنسـان الذي هو سبب وجودها وغايتها .

وتوضيح مفهومنا للإنسان يتطلب ، بالضرورة ، إيضاح نظـرتنا الى الحياة الإنسانية في نشوئها ونموّها وتطورها وارتقائها .

ولما كانت هذه العجالة لاتـتسع لبحث اجـتماعي وفـلسفي يفي الموضوع حقه من جميع جوانبه ، فإننا نـكـتـفي بالإشارة والتـنـويه بأهم النظـرات والنـظـريات التي استـنـد اليها أو التـزم بـها النـوع الإنســاني في خـطـوط وخِـطـط تـفـكيره التاريخية التطـوريـة ، لـنـشـيـر بـعــدها الى نـظـرتـنا الجـديـدة الى الانسان التي يـمكـن تـسـمـيـتـهـا بالنظرة المجتمعية العقلية .

1 ـ النظرة الـروحية الغيـبـيـة

هي نظرة تقرر انبثاق ” الوجـود من العـدم ” ويـرى اصحابها ودعاتها الإنسان في كمال وجوده فـردا ً ، ويـرون ايـضا ً البـشـــر في كل بيئاتهم ومجتمعاتهم عائلة واحدة ، ويتركز بنظرهـم أسـاس المثال الأعلى للقـيـَم الانسانية في الأسـاس الغـيـبي الـذي جاءت القـيـَم الإنسانية تعـكس بعـضا ً من ارادتـه ، وتـتـحـرك بأوامـره تبعا ً لنواميسه وقـوانينه التي يخرقها بمعجزاته ويعطل سـيـرها حـيـن ومتى يشـاء . وهـذه النـظـرة هي أرقى ما تـوصل اليـه الإنســان قـديـما ً في ثـورته على بدائـيته ووحشيـته على الرغـم من كـونها نظـرة ماورائـية افتراضية تكهـنيـة جزئـية أدت الى مفهـوم فردية القـيـَم وماورائـيتها ، بحـيـث رأت الحـرية مـثـلا ً حـرية فــردية . ورتـّـبت على الفـرد الانســاني مســؤلية تـجـاه قـيـَـم ماورائـية مـجـردة تـهـيـمـن على كل تـفـكيـره ، وتسـيـطـر عـليه سيـطـرة تامة . وهذه النظـرة ما تـزال تتحكم بالمـجـمـوع الأعظم من البشر في كل مجتمعاتهم .

2 ـ النظرة المادية التكـهـنـية

هي النظـرة التي تـقـرر انبثاق الـوجـود من ” تـطـور مادي تلقائي “وقــد رأى أصحابـها ودعاتها وفلاسفـتها الماديـون الإنسان في تمام وجـوده ايضا ً وجـودا ً فــردا ، ورأوا البشــر رغم تمايـز وتـمـيـّز بيئاتهم ومجتمعاتهم مجـتمعا ً واحـدا ً ، واعـتـقـدوا أن المثـال الأعلى للقـيـَم الإنســانية ، في مفهـومهم ، يـتـركـّز في الأســاس المـادي الـديالكـتيكي الـذي جاءت القـيـَم الإنسانية تـعـكس بعـضا ً من جـدليته وتـتـحــرك تـبـعا ً لنامـوس حـتـمـيـتـه الـذي لا يخضع لتـغـيـيـر الا تـغـيـيـر القـانون الجـدلي . وهـذه النظـرة كانت رد فعـل على النظرة الـروحـية الغـيـبـيـة الإفـتـراضيـة . فـتـناقـضت معها من حـيث النتائـج الأخيـرة، وانسجـمـت النظرتان الروحية والمادية من حـيـث أسلوب المواجهة ، وموقفهما من علة الكون . فـحـل إفتراض ” التطـور التلقائي “عـنـد الفلاسفة الماديين مـحـل افتراض ” واجب الوجود” عـنـد الفلاسـفـة الروحـيـيـن . مما أدى الى مادية القـيـَـم بـدل ماورائـيـتـهـا ، وثنائـية التناقـض في المثال الأعلى المادي بـدل الوحدانية الغيبية في المثال الأعلى الروحي .

3 ـ النـظـرة المـجـتمعية العـقـلية

وهذه النظـرة هي عنوان نظرتنا المجتمعية الإنسانية الواقعية التي هي ليست رد فـعـل على النظرة الروحية ، وليست رد فـعـل على النظرة المادية . وانما هي نظرة عملية واقعية علمية شاملة الى الـواقـع الإنساني في نشـوئـه ونـمـوّه ، ونشوء المجتمعات وتطورها، ونشوء الأمم وتمدنها وارتقائـها ، ومـعـنى القومية ووعيّ مضامينها وفهم واستيعاب القـيـَم الإنسانية العليا وممارسة الصراع لتـحـقـيقها . هذه النظرة لا تبـدأ مما قـبـل الإنسان . ولا تـهتم بما هو خارجه او بعده بل تهتم بكل ما له علاقة به . ان هذه النظرة تـبـدأ من وبالإنسان . وتهتم به ، وبكل ما من شأنه تـحسين حياة الإنسان وتـجـويـدها وتـشــريفها وتـوسيـع آفاق تـقـدمها وتـرقـيـتها، وهي تـنـتـهي فيه . وهي ترى أن الإجتماع كما ذكر المعلم أنطون سعاده في مـؤلفه العلمي ” نشوء الأمم” ” حـتـمي لـوجـود الإنسان ، ضـروري لبقائـه ” وعلى هذا فـقـد قـررت هذه النظرة أن الإنسان في كمال وجـوده هوانسان ـ مجتمع وليس انسان ـ فـرد ، وأدركت من البدية أن أساس الإرتقاء الإنساني ليس أساس روحي وحسب ، ولا هو أساس مادي خالص بـل هـو أساس مادي ـ روحي . أي مـدرحي دون ثنائـية .

وهذه النظرة تنطلق من نظرة المعلم أنطون سعاده وتـعـمل بقوله الشهير ” ليس المكابـرون بالروح بمستـغــنيـن عن المادة وفلســفتها ، وليس المكابرون بالمادة بمستغـنيـن عن الروح وفلسفته . إن أساس الإرتـقاء الإنساني هـو أساس مادي ـ روحي ، وإن الإنسانية المتـفـوقة هي التي تـدرك هذا الأساس وتـشيـد صـرح مستـقـبلها عليه ” وكما تـرى بعين الـوضـوح واليقين والعلم مـجتمعية الإنسان ومـدرحيته، لا فـرديته المادية ولا فـرديته الـروحية ، فإنها ترى أيضا ً بعين الـواقـع والعلم أن الكرة الأرضية الكروية هي واقـع بيئـات جـغـرافية مـتـعـددة ومـتـنـوعة ، وان العالم الإنساني هـو واقـع مـجـتمعات قـومية متمايزة.

انه واقـع أمـم . واقـع انسانيات ثقافية حضارية متعايشة متعاونة ولا يمكنها ان تعيش وتـتـطور وهي المعتزلة الواحدة منها عن الأخرى ، بل عليها ان تكون على اتصال بعضها بـبعض . وهذه النظرة ترى أيضا ً أن مطلقـية القـيـَم الإنسانية هي في كـونها قـيـَم مـجـتمعية قـومية مـدرحـية انسانـية مـتــنوعة في انسجام ، ومـتـعــددة في تناغـم ،ومـتـمايزة في تفاهم .

وبناء على ما تـقـدم فإن مسؤلية الفـرد الإنساني النهائـية ليست ولا يمكن ان تـكون تجاه القـيـَم الماورائـية المجـردة ، ولا تجاه المثال المادي في الحياة ، وإنما هي مسؤلية تجاه المجتمع الذي ينتمي اليه الفـرد ولا يستـطـيع اختياره إلا بـقـدر ما يختار والديه . فالمجتمع هـو مـصـدر الأفراد وهـو بالتالي مـصـدر القـيـَم وغايتها ، وهـو أيضا ً المدى الصالح والحيوي الذي يـفـسح المجال لبروز الشخصية الـفردية ونـمـوّها ورقيّها واطلاقها الى أبـعـد مـدى .

وعلى هذا الأساس فإنـنا نـجـد أن القيـَم الفـردية أو الفـئـوية أو المـذهبية أو الطبقية لا تستـطـيع مهما ارتقت أن تـصل الى مستوى القـيـَم الحقيقية الإنسانية ، لأنها لا تـقـدر أن تـتـعـدى في اهتماماتها نطاق الفرد أو الفئـة أو المذهب أو الطبقة أو الأقلية أو الأكـثـرية .

وبما أن المجتمع يحضن الفرد والفئة والمذهب والطبقة والأقلية والأكثـرية وكل الشرائـح ، فإن القـيـَم القومية الإجتماعية الإنسانية هي قـيـَم جميع الأفراد والفئات والمذاهب والطبقات والأقليات والأكثريات وكل الشرائح الإجتماعية .

وحيث ان المجتمع القومي هـو عنصر أساسي في مـُرَكـّـب العالم الذي نسميه الانسانية المترابطة فيما بين أمـمه بواسطة ثقافاتها وعلاقاتها وآدابها وابداعاتها ، فإن القـيـَـم الإجتماعية القومية هي قـيـَم انسانية عامة لجميع بني البشر . وكلما ارتقى الفكرفي أمة ، وارتـقت مفاهيمها ، وتـوسعت آفاق نظـرها ، وابعاد مـُثـُـلها العليا ، فإن وسائـل تفاهمها مع غيرها من الأمـم تـصـبح أرقى ، وقـيـَمها تـصـبـح أكثـر انسانية وأكـثـر قـبـولا ً وتـبـنـيا ً.

وبناء على كل ما ورد ذكره ، فإن مسؤلية كل فـرد إنساني هي أن يكون مواطنا ً صالحا ً منتجا ً في المجتمع وليس في الفئة ، ولا في المذهب ولا في الطبقة ولا في الطائفة ولا في أي شكل آخـر من أشكال التجمعات البشرية المنغلقة أو المنفلشة . وحين يتحول أبناء المجتمع الى مواطنين صالحين منتجين ، فإن مجتمعهم يـُصـبح ، بلا شك ، عـضـوا ً سليما ً فاعـلا ً في حـركة إغناء التـجـدد والإرتقاء الإنسانيـين ، وتـكوين عالم انساني جـديد بـقـيـَم انسانية أرقى وأسمى .

على ضـوء هذا المفهـوم الجـديد للـوجـود الإنساني يتـضح أن الوجود الكامل السليم الصحيح ليس وجودا ً فرديا ً بل إجتماعيا ً ، وليس وجودا ماديا ً منفصلا ً عن الروح ، ولا وجودا روحيا ً مـجـردا من المادة ، بل هـو وجود مادي ـ روحي واحـد دون ثنائية . وجود مـدرحي انساني إذا تـجزأ فـقـد انسانيته وتلاشى . ولأن واقـع الكوكب الذي نعيش عليه ليس بيئة واحـدة ، بل واقـع بيئات متنوعة ، مما يجعل العالم الإنساني واقـع مجتمعات متمايزة . واقع أمـم .

فإن الوجود المجتمعي الأتم الكامل هـو وجـود الأمة التي لا تعني جيلا ً واحـدا ً في حقبة من الزمن ولا تعني عـدة أجيال في عـدة حـقـب زمنية بل تعني وحـدة حياة الجماعة الانسانية وحـركتها المستمرة على بقعة أو بيئة معينة من الأرض تفاعلت معها وتتفاعل وسوف يستمر هذا التفاعـل منذ كانت الحياة الانسانية الى ما سوف تكون .

استنادا الى هذه النظرة التي تقول بالانسان ـ المجتمع ، والتي ترى أن الأفراد هـم امكانيات وفعاليات اجتماعية فان المثال الأعلى للقـيـَم الانسانية يتركز على الاساس المجتمعي الانساني حيث يكون المجتمع هو مصدر كل القـيـَم ومآلـها . وحيث يكون ارتقاؤه المستمر الشرط الأساسي على أهليته وجدارته في الإبتكار والإبداع والخلق ، وحيث يـدل على مبلغ السمـوّ في رسالته الحضارية الى الشعوب الأخـرى، ويشير الى جـدية مشاركته في الصراع الانساني من أجـل تـحـقـيـق ” حياة أجـود ، في عالـم أجـمل ، وقـيـَم أعلى ” فـبـدلا ً من فـردية القـيـَم وماورائيتها كما تقرر في النظرة الروحية الغيبية ، وبـدلا ً من فردية القـيـَم وماديتها وخضوعها لبعض القوانين الحتمية التي توصل الى اكتشافها أو تقريرها العـقـل الانساني في زمن مـعـيـّن ، ومكان مـعـيـّن ، ومستوى ثقافي مـعـيـّن ، فإن القـيـَم تصبح في المفهوم الجـديد قـيـَما ً اجتماعية إنسانية تـبـدأ من وبالمجتمع وترتقي وتسمو بقدر ما في المجتمع من طـاقة على الارتقاء والســمـوّ . وتصبح مسؤلية الأفراد ليست تجاه قـيـَم ماورائية مـجـردة ، ولا تجاه قـيـَم مادية خانقة ، بل تجاه قضية عـُظـمى تساوي كل وجودهم . ويتوقف على انتصارها أو انهيارها انتصار الأمة أو انهيارها . وانتصار العالم وغناه الانساني أو انهيار العالم وشيوع همجيته .

هذه هي بعض ملامح النظرة الجديدة التي تكشفت لنا بأحـد أبرز عباقرة أمتنا المعلم أنطون ســعاده الذي دفع دمه ثمنا ً لتكريس هذا الوعي وانتصاره في جميع أبناء أمتنا ، ليتنبهوا الى حقيقة وجودهم ، وليعـملوا من أجل تحقيق انتصار حقيقتهم ، فتستعيـد الأمة قـدرتها على الحياة والإبـداع ، وتحتـل مكانها اللائـق بها تحت الشمس .

وعلى ضـوء هذه النظرة الإجتماعية العلمية العـقـلية الـتـي لا تـبـدأ مـما قـبـل الإنســان ، ولا تـهـتـم بما بـعـده ، سنحاول تفسير المفهـوم الجـديـد للحـرية . مفهـوم الحـرية المجتمعية الإنســانية في رسالة الأمة السورية الى العالـم .

مـفـهـوم الحـرية المـجـتمعية

وبما أن الـوجـود المجتمعي الإنساني هو وجـود حـركة ، فإن الحـرية هي حرية الصـراع والتـقـدم . صـراع العـقـائـد في سبيل تحـقـيـق مجتمع أفـضـل . انها قاعـدة من قـواعـد نـهـضة كل مجتمع ، وهي الى جانب كونها قاعـدة هي ايـضا ً وسيلة من وسائـل تـقـدمه وازدهاره .

من الطبيعي أن القـاعـدة لا تـكـون فاعـلة أو تـكـتسب فاعليتها إلا من حيث هي جـزء في كـل مـُرَكـَّـب . لها مكانها ولها دورها ولها وظـيفـتها .

ولهذا فإن الحـرية لا تكون بالضـعـف بـل تكون مع القـوة . ولا تـكـون بالفـوضى بـل تكـون مـع النـظام . ولا تـكـون بالتخاذل بـل تكون مـع الشعـور بالمسؤلية والقيام بالواجب . ونحن لا نستـطـيـع أن نـتـصـور مجتمعا ً حـرا ً راقيا ً يـرضى بالجـهل ويـعـيـش بالتـخـلـّـف ، ويسير بالرذائـل دون الفـضـائـل .

يـتـبـيـّن من كـل ما تـقـدم ان للحـرية في مـفـهـومها الجـديـد مناخا ًخـاصا ً لا تـنـشأ بـدونه ولا تـنمو وتستـمر بـغـيـر تـوفـره .

وهذا المناخ لا يـقـوم بـدون مـقـومات أصـلية جلية ومتينة . وبما أن الحـرية هي ميزة الإنســان العاقـل وهي من أرقى مزايا الإنســان ـ المجتمع فإن مـقـومات نشــوء مناخها هي مقومات إجتماعية إنســانية نـهـضـوية ومن العـبـث أن نـبـحـث عن الأحـرار خارج نـهـضة المجتمع ، سواء كان ذلك في مناخ الإستسلام لـقـوى ” الماوراء ” أوفي مناخ الإستسلام للقوانين” الوضـعـية الإفـتراضية ” التي وضعـها الإنسان أو قـررها في تعاقب أجياله . وكذلك لاتـفـيـد في شيء كل محاولات التـوفـيـق والتسويات التي تـجـري لتـقـريـب وجهات النـظـر المـتـناقـضة في النتائـج والمنسجمة في المـواقـف من مسألة عـلة الـكـون وأسـلـوب المـواجـهة .

إن الحـرية هي من أهـم الوسائـل وأفـعـل الأسباب التي يستطيع الإنسان بواسطـتها غـزو العوالـم التي ، ما تـزال قـدرته الإنسانية غـير كافية وغير مـهـيأة لإكتشاف خبايا وأسرار تلك العوالم. والتي تـسـفـه ، في حال اكتشافها ، الكثير من المفاهيم ” الماورائية” والتعليلات التكهنية .

والحـرية في الـوقت نفسه هي من أقوى الأسلحة الفـعـّـالة في اكتشاف نـوامـيـس كـونية وحياتية أعـم ، وقـوانين طـبـيعية أشمل تســاعـد الإنسان على التـخـلـّـص من عـبودية النظريات الحتمية والأحـكـام المسبقة . لأن الحقيقة البديهية التي يجب أن تبقى ماثلة أمامـنا هي : ” أنـنا كلما صـعـدنا قـمة تراءت لـنا قـمم أعـلى ويجب عـليـنا أن نـصـعـدها .” وانطلاقا ً من هذه الحقيقة فإن كل قـول نهائي فاصـل في تعليل نشوء الكون أو تفسير نهايته ، هـو قـول باطـل مهما ارتقى أسلوب منطقه ، ومهما بـدت تعليلات حـدوثه واقعية للعـقـول الفـردية الجزئية . فالعـقـول الفردية تـحـتاج دائما ً وباستمرار الى مـزيد من التـعـقـل والتـبـصـر ، ومـزيد من النـمـوّ والنـضـج وسـمـوّ الإدراك . والحقيقة في نظري هي كما قال المعلم سـعاده : ” انه لا يُوجد في العالم شيء يُسمى حقيقة ابتدائية . فـكـل شيء متعلق بما سبقه الى ما لا نستطيع ادراكه . “

واستنادا الى هذا الفهم الإجتماعي للإنسان ، فنحن نـقـرر أن القـيـَم الإنسانية هي قـيـَم اجتماعية .

ولأن المجتمعات هي كائنات طبيعية حـيـّة نامية ، فإن القـيـَم الحقيقية هي القـيـَم الحياتية التي تـنـمو وترتقي بـنـموّ المجتمعات وارتقائها . وتـضـعـف وتـتـخـلف وتزول بضـعـف وتـخـلف وزوال المجتمعات .

ولذلك فإن أفـضـل تـحـديد للحـرية هي أن تبقى بدون تـحـديـد .

واذا كان لا بـد من تـعـريف الحـرية لتـقـريـبها من الأفهام ، فإن الحـرية تكمن في طاقة المجتمع عللى النـمـوّ الـدائـم ، وقـدرته على الخلق المتسامي ، وتكمن أيضا ً في جـدارته على ممارسة سـلبـيـته في مواجهة الكون الماثـل أمامنا ، وقدرته على تعديل وتصحيح وتصويب كل المفاهيم التي ظـهـرت حتى الآن من جراء تقصير العقول الفردية الجزئية ، التي كان قصورها بالذات ويبقى ، طريقا مسدودة ونهاية خانقة تقضي على كل أمـل للإنسانية بالنهـوض والتـقـدم .

من هنا كانت أهمية تـوفـر مناخ النهضة الذي هـو : ” خـروج من البلبلة الى التعيين .” على حد تعبير المعلم سـعاده . ومن هنا كانت أهمية ولادة الإنسان الجديد الجـيـّد الناهض .

وتـوفـر مناخ النهوض أو النهضة ، وولادة الإنسان الجـديد هما أمران مهمان أساسيان ولا يمكن أن يحصلا إلا بتوفر المقومات الأساسية التالية :

المقوم الأول : الـوعيّ الإنساني

إن الـوعي الإنساني السـليـم هـو شـرط أساسي وجـوهـري لقيام ونـشـوء الحـرية ، لأن ” المجتمع مـعـرفة والمـعـرفة قـوة .” والقـوة هي حـركة ديـناميكية حـيـّـة نامـيـة . والمـعـرفة التي نـقـصـد هي المـعـرفة الإنسانية بـكـل أبـعادها ، وبكل مستوياتها ومـقايـيسـها المنبـثـقـة من يـقـظـة المـجتمع ، وتـنـبـهـه لـوجـوده ومـعـنى وجـوده . وحـياتـه ومـصـالحـه في الحـيـاة. ومـصـيـره وكيفية تـحـسين وتـجـويـد وتـرقـية هـذا المـصـيـر.

إن الحـريـة هي وليـدة تـنـبـُّـه الإنسان الخـارج من الظـلـمـة الى النـور . ومن الشك الى اليـقـيـن . ومن الجـهـل الى العلم.فالجاهـلون المـتخـلفـون لا يـمارسون إلا جـهـلهـم وتـخـلفـهـم وانـحـطاطـهـم . إنـهـم عـبـيـد جـهـلهـم وتـخـبطهم وبـلبلاتـهـم وعـقـدهم وأمـراضـهـم التي لا تسمح لهم بأن يكونـوا أحـرارا ً.

وعلى عـكـسهم يكون الواعـون العارفون العاقلون أحراراً بوعيّهم ومعرفتهم وتـبـصـرهم وصراعـيـتـهم ، حيث يـؤكـد تـنـبـُهـهـم ، وتـؤكـد مـمارستـهم لوعـيـهـم وبطولتهم على إصالتهم وعلى صـفـاء حريتهم وسـمـوّهـم في حـريـتـهم .

إن الحـرية الإنسانية لا تـُحـَـد لأنها لا تكون إلا بالمعـرفة المـتـطـورة النامية بـغـيـر حـدود . كـتـطـور المـجتمع ونـمـوّه وتساميه الذي ليس

لـه حـدود . أما العبودية فـوحـدها هي المـحـدودة بالغـفـوة والغـباء والجـهل والتـخـلـف والإنـحـطـاط .

المـقـوم الثاني : المناقب الإجتماعية

إن المناقب الإجتماعية هي الشرط الثاني من شروط تـوفـر مناخ الحـرية التي يستحيل أن تكون وتـقـوم مع الرذائـل والمساويء والمـفـاسـد .

إن الحـرية مـنـقـبة . والحرية التي لاتكون مـنـقـبة وغيـرالمقترنة بالمناقب الإجتماعية الإنسانية لا تـكفي أبداً لكي يكون الـمـجـتـمـع حـرا ً . ولذلك لا بـد من تـوفـر عـقـلية أخـلاقية فاعلة يـمـارســها الإنسان وعـيـا ً ، وتـحـقـيـقا ً ، واستمرار مـمارسة ، فـيـعـبـّـر بـذلك عن حـريته الصـحـيـحة السليمة مـحـبـة ً ، وعـدلا ً، وحـقا ًوخـيـرا ً ، وجـمالا ً، ونظاما ً، وقـوة ، ومسؤولية ً، وعـطـاء ً، وتـضـحـية ، فـتـرتـفـع الحـرية الى مـستوى قـيـَمي ومـناقـبـي جـديـد وتـصـبـح، بالإضافة الى كـونـها قـاعـدة من قـواعـد النهضة القومية الإجتماعية ، فـضـيلة ً من فـضائـل هـذه النـهـضـة.

إن الذين يمارسون الفضائـل باستمرار ، ويـعـمـلون ويـعـطـون ويـضـحـون في سبـيـل تـحـقـيـق المـُـثـُـل ِ العليا العظيمة لأمتهم هـم وحـدهـم الأحـياء الأحـرار بـوعـيـهـم ومـنـاقـبـهـم . أما الذين يعيشون بالرذائـل المـتـأتية من جـهلهم وتـخـلفـهم فليسوا من الأحـرار في شيء ، ولا يستحقون أن يكونوا أحرارا ً.

المـقـوم الثالث : التـقـدم الإجتماعي الإنساني

إن التـقـدم الإجتماعي الإنساني ، فـضـلا ً عن كـونه ميزة من مزايا نـمـوّ الإنسان ـ المجتمع ، ونـمـوّ وعـيـه ، وسـمـوّ مناقبه ، فإنه أيضا ً شـرط ثالث من شروط مناخ وجـود ،ونموّ، وسـمـوّ الحـرية . لأن المعرفة الفاضلة التي لا تنمو ، ولا تـتـطور، ولا تـتـقـدم وتـرتـقي ، فإنها تـتـحـجـّـر وتـنـغـلق وتـتـقـولب ، وتـُحـَـجـِّـر ، وتـُعـَـطـِّـل ، وتـخـنـق العـقـل الإنساني بمفاهيمها الجامـدة ، وقوالبها القاتلة . وتـتـحـول الى درك رديء من دركات العـبـودية .

إن قـدرة العـقـل الإنساني المجتمعي لا تـُحـَـد . والعـقـل هـو وحـده الذي يـضـع القواعـد ، ويـقـرر المفاهيم ، ويكتشف النواميس ، ويـُـذلـل كل عاصي . فإذا قـُولـِبَ العـقـل بالقوانين ، وحـُـوصـِر بالنظريات والتـنـظـيـر فـقـد بَـطـُـلَ أن يكون عـقـلا ً . لـقـد ” وُجـِـدَ العـقـل ليعـرف ، ليدرك ، ليتبصـر ، ليـمـيـّـز ، ليـعـيـّن الأهـداف ، وليفـعـل في الوجـود . ” على حـد تعـبـيـر المعلم أنطون ســعاده.

وبالعـقـل ليس للحـرية حـدود . لأن العـقـل يسمو ويتسامى بـغـيـر حـدود . فـحريتنا ، تقاس مـثـلا ً ، بـقـدر ما نحن مـتـقـد مين وسباقين ومتفوقين في مضمار الحضارة وليس بنسبة ما نحن متخلفين ومتأخرين وخاملين . وحريتنا يجب أن تـقاس بالنسبة لما حـقـقـته أرقى المجتمعات الحضارية التي تجاوزناها في مفهومنا المجتمعي الجديد للحرية وليس بالنسبة للمجتمعات المتخلفة الغبية .

إن الـوعيّ ، والـمناقب ، والتـقـدم ، هي مقومات أساسية وشروط

مهمة ضرورية لا يمكن أن يتوفـر مناخ الحرية المجتمعية الإنسانية بـدونـها . وهي وعي المجتمع حقيقة وجـوده ،ومصالح حياته،وتعيـين أهـدافه ومـُـثـُـله ، وممارسة الفضائـل والمناقب القومية الإجتماعية لتوليـد عـقـلية أخلاقية جـديدة جـيـدة ،وصـراع بالوعي والمناقب لتحقيق أسمى المـُثـُل وأبعـد المرامي التي تليق بأصحاب النفوس الجميلة العظيمة .

هذا المفهوم الجديد للحرية قادر أن يستوعب جميع المفاهيم الجزئـية للحرية في العالم لأنه يقول بحرية المجتمع كل المجتمع.وليس بحرية فـرد فقط ، ولا بحرية فئـة ، أو طائـفة أو طبقة .

إن المجتمع هـو حـر بقـدر ما فيه من وعيّ ومعرفة ، وبـقـدر ما يمارس من المناقب والفضائـل ، وبـقـدر ما يحـقـق من التقدم والإرتقاء . ولذلك فإن المجتمع الحـر هـو وحـده الذي يتمتع فيه أبناؤه كل أبنائـه بالحـرية فـهم أحـرار لأنهم من مجتمع وفي مجتمع حـر . أما الذين يقولون بحرية سياسية أو اقتصادية أو دينية أو جزئية وعلى أساس فردي ، فإن مفاهيمهم تـبـقـى قاصرة عن مفهوم الحرية السليم الشامل كل هذه الشؤون .

إننا نقبل مفاهيمهم من حيث هي مفاهيم جزئية ، وليس من حيث هي مفاهيم شاملة . فالحرية التي تقول بها الرأسمالية الفردية مثلا ً ، والتي تبيح للفـرد في المجتمع أن يعـتـقـد بما يـريـد ، ويـقـول ما يـريـد ، ويـعـمـل ما يـريـد ، ليست حـرية حـقـيـقية شاملة . فما هي قيمة إعـتـقاد أو قـول أو عـمـل الفـرد الجاهـل السيء المتخلف في ظـل الأنظمة الجائـرة الفاسدة المستبدة المستغلة نشاط وجهود ونتاج الملايـيـن لمصلحة فـئـة ظالمة جـشـعة خائـنة متآمـرة ؟!

إننا نـقـول أولا ً بتحرير الفـرد من عـقـد المخاوف والأوهام والمفاسد والحاجات المادية والروحية وأمراض الأنانية والفـئـوية والمذهبية والكيانية الضيقة . ونعمل لإيجاد النظام النهضوي الجديد ، وتوفيـر المناخ

الصحيح الملائـم ، ليصبح لإعتقاد الفـرد وقوله وعمله وممارسته قيمة الحرية بـتـربيته على الـوعيّ ، وتـدريبه على حياة المناقب ، وتـشـجـيـعه على التـقـدم والصـراع .

مـفاهـيـم جـزئـية

أما الحرية الإقـتصادية التي قالت ونادت بها الفلسفات والمذاهب المادية ، والتي لاقت استحسانا ً عنـد الكثيرين من الناس ليست أكثـر من دليل على وجود الخلل والأخطاء في المفهوم الرأسمالي الفـردي للحـرية .

وبدلا ً من أن تكون الأقلية العددية متحكمة بحياة المجتمع ، ومسخـّرة كل جهوده لمنافعها بتسلطها على مصالح حياته ، وتسخيره لخدمة أغراضها الخصوصية في النظام الرأسمالي الفردي ، فـقـد شددت الماركسيةوحرضت على ثورة طبقة الأكثرية المسحوقة المحكومة على الطبقة الحاكمة والعمل من أجل إذلالها والسيطرة عليها وإنشاء : ” دكتاتورية البروليتاريا ” مكانها مجزئة ً بذلك المجتمع ، ومـدمرة ً وحدته باقتـتال داخلي ، ومعطلة وعيه ، ومحطمة ً مناقبه وروحيته، وقاضية ًعلى كل امل بالتقدم والرقي .

إن المفـهـوم الماركسي ـ بـدلا ً من التركيز على وحـدة المجتمع ـ شـدّد على تـفـتيته بـحـجة تـوحيـده ، وأثار الضـغائـن والحـقـد في نـفـوس أبنائـه فانـشلت حـركـته الإنتاجية ، وتـعـطـل فـعـل طاقاته التي يـجـب أن توجـّـه كلها لتـحسين أوضاع المـنـتـجـين بـتـحـسين حـياة المجتمع وتـرقـيـته بـتـمام وجـوده .

وهـو أيـضا ً ـ بـدلا ً من الرؤيـة العلمية الوقـعـية للعالم الإنساني كـواقـع مجتمعات متمايزة بحضاراتها ومواهبها وقـدراتها ـ فإنه تجاوز هـذا الواقـع وأثار بين الشعـوب حـروبا ً على غرار حـروب الـدول الرأسمالية الإستعمارية أدت الى استـعـباد كـثـيـر من الشـعـوب المـتـخـلفة بـدل مـساعـدتـها على النـهـوض والتـقـدم . فـصارت العلاقة بين الشـعـوب عـلاقة تابـع ومـتـبـوع بـدل أن تـكـون عـلاقـة التـعاون والإخـاء الإنسانـيـيـن التي هي في أساس الحـضارة العالمية والتـقـدم الإنساني ويـجـب أن تـكـون .

إنـنا نـجـد ـ في الحـقـيـقة ـ أنه كما قـصـّر المـفـهـوم الرأسمالي الفـردي الإستعماري التـسلطي فـكـذلك قـصـَّـر أيـضا المـفـهـوم المـضـاد. وتـطـورات المجتمعات وحـركات الشـعـوب كـانت أقـوى من أن تـسيـر بـحـسب نـظـرات ونـظـريات وضـعـها مـدَّعـو الفلسفة والعلم جـهـلا ً ، وتـقـبّـلها الكـثـيـرون من أبـنائـنا غـبـاء ً. إن النـظـريات والقـوانـين والمباديء والـدساتـيـر والأنـظـمة هي لمـساعـدة الشـعـوب علىتـحـسين حـياتـها ، وتـرقـية مـصـيـرها. وجميع النـظـرات والنـظريات الـروحـية أو المادية أو التـوفـقـية كـانت وتـبـقى وسـوف تـسـتـمـر على مـشـرحة تـطـور الشـعـوب ونـهـضـاتـها وثـوراتـها . وحتى الأديان نـفـسـها هي خـاضـعة لحالة الـنـمـوّ والـتـطـور والتـغـيـيـر . وتـكفي نـظـرة بسيطة الى التاريخ لـنـجـد كـيـف تـرومـنت المسيحية في روما ، وتـسـكـسـنـت في انكـلـتـرا . وكـيـف تـتـركت المـحـمـدية في تـركـيا ، وتـعـجـمت أو تـفـرسنت في إيـران . وكـيـف تـروسـنـت الماركسية في روسيا ، وتـصـيـنـت في الصـين ، وتـكـوبـنـت في كوبا. وكـيف تـفـرنـست النـظـريات الأخـرى من هـيـغـلية وشـخـصانية في فـرنـسا ، وتـأمـركـت في أمـيـركانـيا . وتـدرج تـأقـلـمـها صـعـودا ً أو هـبـوطـا ً في الشـعـوب النامية التي مـا تـزال تـعاني من إسـتـغـلال الـدول القـوية الإستعـمارية. إن كـل المزايـدات اللفـظـية الكـلامـية والـدعايات المـغـرضة لا يـمكنها أن تـقـوم مـكان الحـقائـق والـوقائـع والأرقـام .فالفـرد ـ مـثـلا ً ـ في ظـل الأنـظـمة الـرأسمالية الـفـردية الإستعمارية هـو حـرٌ في الظـاهـر في أن يـعـمـل أو لا يـعـمـل . ولكـنه في الحـقـيـقة والـواقـع والمـحـسـوس هـو مـُجـبـَرٌ لكي يـعـيش أن يـعـمـل تـحـت أقـسى الشـروط التي يفرضها عليه أرباب العـمـل وأصـحاب الشـركات وجـمـيـع المـهـيـمـنـيـن على أرزاق العـباد . ولذلك فإن حـريـته هي حـرية العـبـودية والـذل ولـيـست حـرية الكـرامـة والـعـز .

والـفـرد ، أيضا ، في الأنظمة الماركسية الإشتـراكية حـرٌ في ممارسة الـدعاية والتبشير والـدعوة الى اعـتـناق عـقـيـدة مادية والعـمـل على تـقـوية وتـعـزيـز سلطة الدولة التي تشكل في حـد ذاتها شـركة كـبـرى يـديرها ويسيطـر عليها حـفـنة من الذين بـرعـوا في تـزويـر الحـقائـق وتـضليل الناس واستخدامـهم كـرها ً أو طـوعا ً من أجل مـآرب خاصة جزئـية وفـئـوية متذرعين بفلسفة مادية مصورينها للناس على انها عقيدة العقائد ،ونظرية النظريات التي لا نظرية قبلها ولا نظرية بعدها .

وهي في الحقيقة نظرية دعاية خادعة لا تـخـدم سوى المسيطـرين والمـهـيـمـنـيـن على مركز القرار والتقرير في الحزب أو الأحزاب التي تسيطر على مقدرات الدولة والأمة.

وكذلك حال المواطن الفرد في ظـل الأنظمة العسكرية التوتاليتارية الذي تأمنت له لقمة العيش في خدمة الحكومة المستبدة ، وتـأمن له العـمـل في حقولها ومصانعها ومزارعها ومكاتب شركاتها ، فأصبح غير قادر ـ مهما

وجـد النظام ظالما ً ومجحفا ً وسيئـا ًـ أن يقول رأيه بصراحة أو يحتج أو يرفض أو يبرز مواهبه في غير الخط المرسوم لـه . وليس لـه إلا الوظيفة المقررة لنشاطه من قبل المستبدين والمسيطرين على مرافق الدولة في حكومتها الجائـرة .

إن حـرية الـفـرد في هـذه الأنـظـمة هي حـرية التـبـويـق والتـصـفـيـق للأســياد الذين يستـخـدمون الناس عبيدا لقاء لقمة عيشهم مـجبرين على أعمال لا يـقبلها حـق ولا تـقـر بـها عـدالة ،وليست حـرية الأحـرار الأعـزاء الذين لا يـقـبـلـون بـغـيـرعـيـشة الشـرفاء وحياة الكـرماء . الحـرية المجتمعية هي حرية الصراع والتقدم

إنـنا نـقـول بالإنسان ـ المجتمع الذي هـو مـصـدر الفـرد ، ونطاق بروز وتـحـقـق شخـصـية الفـرد ، والضامن لإستمرار وجـود وخـلـود الفـرد .فـفي المجتمع أصـل الفـرد ومـصـدره . وفي المجتمع بروز شخصية الفـرد وتـحـقـق كيانه . وفي المجتمع بقاء الفـرد وخـلوده . والفـرد الحـر هو ابن المجتمع الحـر . ودرجة حـرية الفـرد تـرتـقي وتـرتـفـع سويتها بـنـسـبـة ما يـتـوحـدن بـقـضـية مجتمعه ، وبـقـدر ما يـعـمـل الفـرد من اجـل عـزة مجتمعه ورقيه . وليس بنسبة ما يـنـعـزل ويـغـتـرب عن قضية مجتمعه.

لأن في الإنـعـزال تـنـكـر للوعي والمناقـب يـؤدي الى التـقـزم والتـصـنـم والإنهيار . والحرية لا تكون أبـدا ً تـقزما ً وتصنما ً وانهيارا ً بل هي دائما انفتاح لا نهاية له ، وحـركة لا تتوقـف عن الفـعـل ، ونـمـوٌ من طبيعته الإستمرار .

من طبيعة الإنسان الـنـمـوّ . والنـمـو هـو نـمـوّ الوعي والفكر . والحـرية هي مـظـهـر نـمـوّ الفكر الذي يـوجـّه الإرادة ، فتسمو الإرادة بحرية الفكر وتزيده وضوحا ً وقـوة ً وفاعلية ، فيزداد تـألقـا ً ويزداد المجتمع تـقـدما ً وحـرية . ويصبح الإنسان مؤهلا ً لتحقيق : ” الحياة الأجـود في عالم أجمل وقـيـَم ٍ أعلى.” حيث يصبح لقاء الأمم الحـرة الناهضة ســبـيلا ً الى الإرتقاء الإنساني الصحيح وبلوغ عالم ٍموحـد ” إذا كـشـفـت مـخـبـآت الأبـد أنـه سيكون ممكنا ً احـداث ذلك العالم .” كما نـوه بذلك المعلم سعاده.

إننا ننطلق في فهمنا من وحدة حياة المجتمع وليس من تجزئـته الى فتات .

ونرى في كمال وجـود أمتـنا وتمامه وجودنا الكامل الفاعـل كأفراد ، فنرفض كل ما من شأنه تجزئتنا وتفسيخنا أرضا ً وشــعبا ً وحضارة .

نحن وحدة حياة . لا قيمة للأرض بـدون شعبنا وحضارته . ولا وجـود للشــعـب والحضارة بدون أرضنا . ولا معنى للأرض والحضارة بـدون شـعـبـنا . ولأننا وحدة حياة على هذا المستوى ، فإن كل فرد من أفرادنا ينمو ويجب أن ينمو ، ومن حقه أن ينمو ، ولا معني لوجوده وشخصيته بغـيـر نـمـو . وعلى كل حكومة في دولته أن تسهر وتحافـظ وتعمل على نـمـو وتـقـدم وارتقاء كل فـرد دون تـمـيـيـز ، ودون تـحـفـظ ، ودون تـبـريـر. كما عليها أن تحافـظ على كل شبر من أرض الوطن لتبقى سلامة الأمة مصانة . وينبغي على الحكومات أيضا أن تـوفـر للشعب كل أسباب ووسائـل تنمية الحضارة وتوسيع آفاقها .

بهذه الأمور المتقدمة تكون الأمة حـرة ويكون أبناؤها أحراراً ، ولا معنى للحرية إلا بالقدرة على الإبداع وتحمـّل المسؤلية وممارسة فعل الصراع سحقا ً للبـاطـل وانتصارا ً للحـق .

إلا أن الـنـمـو الذي أشرنا اليه لا يكون أبدا ً ولا يستقيم بغير انتاج .

والإنتاج بـدوره مـتـنوع يشمل العلم والفكر ، والصناعة والزراعة ، والفن والإبداع ، والتضحية والصراع . ولهذا كان مبدأ الإنـتـاج في مفهومنا أنه : ” يـجـب على كل مواطن أن يكون منتجا ًبطريقة مـا.”

ليصح أن يكون مبدأ الحق في الجتمع الحـر هو أن :” لكل مواطن نصيبه العادل من الإنتاج العام .” في المجتمع كما توضح مباديء الفلسفة القومية الإجتماعية . ومبدا الإنتاج لا يتفق ولا يتوافق أبدا مع هـدر طاقات المجتمع وفعالياته . والمجتمع لا يتقدم ويرتقي باستنفاد واستهلاك كل جهود المواطنين وارهاقهم.بل يتقدم المجتمع بتهيئـة مناخ الإنتاج الفكري ـ العلمي ـ الصناعي ـ الزراعي ـالفني ـ الإبداعي ـ البطولي وتنظيمه ورعايته وتأمينه لما فيه مصلحة الأمة وسـلامة الدولة الجديرة والمؤهلة لخدمة مصالح الأمة وأهـدافـها بحيث تتأمن مصلحة كل مواطن وسلامته في الحياة الجـيـّـدة المتـنامية العزيزة الحرة.وحيث يعمل المواطن ليس خدمة خصوصية لبعض أفراد ، ولا لشركات ، ولا لمرافق حكومية ، ولا لأغراض جزئـية ولا حتى لإنتاج بذاته مهما كان هـذا الإنتاج ، بل انه يعـمل في سبيل تحقيق الحياة الجـيـّـدة المـُثـلى لأمته المتحدة حياته بحياتها والتي لا جودة لحياته إلا بجودة حياتها . فيضحي في سبيل انتصار مقاصدها العليا ، وغاياتها الشــريـفة ، وقـضـيتها العـُـظـمى الـتي تنطوي على أجـمل مقاصده ، وأشــرف غاياته . وتـعـبّر عن استقلال فكره وصحة إرادته وسلامة حـريته .

إن الأفكار الجـيـّدة تـتـحـقـق في المجتمع خلال مسيـرته ونضاله ولا يجوز أبـدا ً أن تـطـبـق على المجتمع أية فكـرة أو نظـرية أو أمــر كما لو أنه مادة من مواد الإختبار في المختبرات .

ولهذا بالضبط كانت ضرورة تـولـيـد عقيدة الوعيّ القومي الإجتماعي في كل أبناء المجتمع ، وإيقاظ وجدانهم المجتمعي العام ، وتنبيهـهم الى قضية وجودهم وحياتهم ومصيرهم ، وكانت بالتالي أهمية توفير المناخ الصحيح الملائـم لتأمين ســلامة نـمـوّهم في توليد نظام جديد تتحقق بواسطته مباديء عقيدة الحرية الجامعة لمختلف العقائـد وغاياتها التي هي مزيد من تحقيق الحق والخير والجمال ، واستمرار ارتقاء الحق والخير والجمال باستمرار ارتقاء الأمة الحـرة المتحررة بالمعرفة الفاضلة من كل مثالب الجهالات .

إن المواطن الفـرد كما تبين في الأنظمة المشار اليها هـو حـر في أن يكون عـبدا ً للفكرة والنظرية والحزب وحكومة الدولة والمتسلطين على مقدراتها ومرافقها ووزاراتها ، لكنه أبدا ً ليس بحر ان يمتنع عن تنفيذ أوامرها مهما كانت خاطئة وجائرة ومهلكة .من الأمور البديهية أن يضحي المواطن الفرد بنفسه من أجل حياة مجتمعه لأن في حياة المجتمع وسعادته تكمن حياة الفرد وسعادة الفرد. أما التضحية في سبيل فكرة أو نظرية أوحكومة او رئيس بشكل لايخدم مصالح الأمة وأهدافها في الحياة، وممارسة الإستقلال لروحي، والمصير العـزيـز فإنها تضحيـة خـرقاء تصغـر أمامها كـل الأضاليل والأخطـاء والجرائـم .

إن التضحية ليست من أجل التضحية ، بل يجب أن تكون التضحية من أجل قضية عـُظـمى تساوي وجود الأفراد في بقاء مجتمعهم ونـمـوّه وتقدمه ورقيه . فوجود الفرد ما كان بالإنفصال عن المجتمع. وبقاء الفرد يستحيل أن يتم خارج حركة المجتمع.ولا حرية للفرد إلا اذا كان مجتمعه حـــرا والمجتمع الحـر لايمكن ان يكون حـرا ً إلا إذا كان جميع ابنائـه أحـرارا ً ، واستمـرت أجياله تمارس الحـرية وعيا ً ومناقبا ً ، ونـمـوا ً وانـتـاجا ً ، وصراعا ً ورقيا ً.

بهذا المفهوم للحرية يصبح أي اعتداء على أي فـرد من أفراد المجـتمـع أو أي شــبر من أرض الوطن هـو اعتداء على الشعب كله ، واعتـداء على الحرية ذاتها ، وتهديدا ً لوحدة الوطن وسلامته . ويصبح في المقابل أيـضا أي تساهل بحقوق أي مواطن أو أي تنازل عن شــبر واحد من أرض الوطن هو تساهـل بحقوق الشعب كله وتنازل عن أرض الوطن كلها ، كما أن أي ويـل أو كارثة أو نكبة تنزل بأي فـرد من أبناء الأمـة ولا تـرد الأمـة كـما ينبغي أن تـرد وتحمي أبناءها ، فإنها تعرض شخصيتها للإنهيار وسيادتها للضياع وحريتها للسقوط . وكل أمة تنهار شخصيتها ، وتـفـقـد سـيادتها على نفسها ووطنها ، ولا تحمي نفسها بحماية أبنائـها تسقـط لأنها غير جديرة بالحياة ، وغير مـؤهـلـة للتنعم بالحرية . ومن المحال المحال أن يعيش أبناء المجتمع الحرفي ظـل التخلف والجهل والمثالب والإنحـطـاط والذل .

الحـرية هي الأحـرار في مجتمع حـر إن الحرية هي الأحـرار . وإن الأحـرار هـم الأمة الحـرة . والأمة الحـرة هي الأمة الواعية مسؤليتها ، والقوية بوعيها ، والنظامية بحـريتها ، والحـرة بنظاميتها ، والعادلة بحقها ، والمحقة بعـدالتها، والخيـّرة بجـمال نفسيتها ، والجميلة بـخـيـِّر انتاجها وابداعها. الأمة الحرة هي التي تعرف حقوقها وحقوق غيرها من الأمم وتحترم هذه الحقوق وتناضل من اجل الحفاظ عليها . فلا تتنازل عن حقوقها لغيرها ولا تعتدي على حقوق غيرها . انـها الأمة التي تـعـرف واجباتها ومسؤلياتها وتمارس مسؤلياتها وتقوم بواجباتها بحرية عصية على القـهـر .

الأمة الحرة تـدرك وحدة حياتها ومصالحها واغراضها ومقاصدها ومـثـلها العليا وتجاهـد في سبيل تحقيقها بكل ما تستلزمه الحرية من وعي وعزم وارادة وجهاد .

الأمـة الحـرة هي التي تعـمـل من أجل اكـتـشـاف أعـداء الإنسان والحرية لتطاردهم وتحاربهم وتنتصر عليهم . انها تـحـمـل رسـالة الهـُدى والحياة والحرية الى جميع الأمم والشـــعـوب ، واضـعـة ً حـدا ً لأطـماع الجماعات الهـمـجـيـة المـتـوحـشــة ، مساهمة ً في انشاء المدنية الإنسانية وبنائـها وتـرقــيتـها ، مـبــدعـة ً ومـبـتـكـرة ً أروع وأجـمـل ما تـؤهـلها نـفسـيتـها العظيمة على ابتكاره وابـداعه من خِـطـَـط التـفـوق الإنســاني .

لن نسـتـطـيـع أن نكـون أحـرارا ً ، ولـن نسـتـطيع أن نـنـعـم بالحـرية وفي شـعبنا مـواطـن فـرد واحـد جائـع أو جاهـل أو مـُهـان ، ومن أرضنا شــبـر واحـد مـُغـتـَصـَب . ولن نستطيع أن نكون أحـرارا ً أيضا ً وأمتـنا ليس لـها دور في صناعة أو المساهمة في صناعة وكتابة تاريخ مـدنية الإنسان على هذا الكوكب لســبـر أغـوار هـذا الكـون الماثل أمامنا واكتـشـاف ما يـمكـن اكتشافه من أسرار الوجود ومـخـبآت الآفاق .

فالحرية تعـني الحياة الجـيـدة لكل مواطـن ، وتـعـني أيـضا ً ســيادة الأمــة الكاملة على نفسها وعلى وطـنها . وتعني الخـروج من الظلمة الى النــور، وتعني نهوض الأمم وتعاونها فيما بينها لخلق الإنسان البشري الإنساني .الإنسان ـ النـوع النـوعي الذي شــاءته العناية الخالقة متميزا وســيـّـدا ً ومـمـثـلا ً لها على الأرض .

الحـرية تعني تحقيق وتحقق ارادة الحياة العزيزة الحـرة ، ولا معنى للحرية غـيـر ذلك .

 

(1): من كتابه ” مفاهيم قومية اجتماعية “.

يـوسـف المسمار

إقرأ أيضاً

نحن لا نتجه في حياتنا نحو الفناء

nós não estamos nos movendo                                                                                                                                                                                                                                     em nossa vida em direção à aniquilação نحن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *